الشريط الأخباري

خطوط «العدوان» وجبهات الخرائط

لم تكن إسرائيل بحاجة إلى ذريعة لإعادة تشكيل خطوط عدوانها وإحداثيات عربدتها، وهي التي لم تتردد يوماً في ذلك حين تحين الفرصة, أو حين تقتضي حاجتها، لكنها في إطار القراءة المتزامنة مع ما يجري على الأرض تتحول الذريعة الإضافية إلى ممر إجباري للتذكير بالوجود الوظيفي بشقيه الاحتياطي والأساسي.
ومن المسلّم به على نطاق أوسع مما هو متداول أن القرار الإسرائيلي متخذ بإيحاء وظيفي مسبق على وقع الحسابات والمعادلات الافتراضية، التي تعززت بجملة التطورات الميدانية، لتصبح العربدة الإسرائيلية عنواناً شمولياً يجمل التفاصيل المتناثرة على خطوط العرض والطول في المنطقة.‏
وحين ترمي إسرائيل شباك اصطيادها في الفوضى المتداخلة التي تفيض عن حاجة المنطقة، وقد تكون فائضة على استطاعة المزاج الدولي كله على استيعابها، تصبح المشاهد الجزئية الغائرة في تفصيليتها جزءاً ومكوناً من جوهر المشهد، لتكون معياراً للغرب ومقياساً لحركة تعاطيه مع ما يجري، من تدوير لزوايا المهام الوظيفية على نطاق الأدوار المعمول بها حالياً أو تلك التي تخرج إلى العلن بعد أن نضجت الظروف لإشهارها.‏
ووفق المساحات التي تحددها الخطوط الإسرائيلية، ثمة أسئلة إضافية تملي حضورها في هذه الفراغات الكبرى من الحضور المقابل انكفاءً أو تبعثراً أو اهتزازاً أفقياً وعمودياً، على وقع إحداثيات الخرائط الإضافية الممتدة في العرض والطول، لتكون جبهات مفتوحة فتدخل اسرائيل شريكاً وربما بوكالة حصرية لتنفيذ العدوان حين تستعصي على بقية الأطراف والشركاء القدرة على النفاذ من النقاط الشائكة على الخرائط بتشكيلتها الطائفية والعرقية والإثنية.‏
في المعايرة السياسية للمسألة، ثمة ارتباط وثيق بين التفشي المتسارع في عقارب التوقيت الإرهابي، وبين انفلات الشهية الغربية لاستثمار الأبعاد العرقية والنبش في جذرها الإثني لتحديث نقاط التمركز الإضافية, بعد أن وصلت إلى الحائط المسدود في الخيارات والبدائل التي اعتمدتها في استراتيجية التقسيم والتفتيت بعوامل الصراع الداخلي وبؤر التفجر أو عبر الوكلاء الإقليميين.‏
والأخطر، أن المعادلات الناشئة تأتي على مقاس المطلب الإسرائيلي وتقتضي المساهمة في خلق أدوار إضافية لإسرائيل تبحث عن شرعنتها العلنية منذ الأعوام الأولى لوجودها على الأرض العربية، وتفرض حضورها في المواجهة كجزء من منظومة الحفاظ على أمن المشيخات وبعض الدول الوظيفية الأخرى، وهي إذ تعلن ذلك بوضوح فيما يخص الأردن فإن الرسالة أبعد من ذلك ولا تستثني السعودية والكويت معها، وبتكليف أميركي رسمي، وبرجاء أعرابي خالص.‏
حقائق وجود تلك الدول الوظيفية وأدوارها وأهمية بقائها برمزية تقاطعها مع الأطماع الغربية وتحالفها الوجودي مع إسرائيل ليست مجرد تخمينات أو تفسيرات، والحديث الإسرائيلي عن خطوط «دفاع» ونقاط الهجوم أو توقيتاته المتحركة يتقاطع إلى حد التطابق مع المحددات الإضافية التي فرضتها التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها إعادة رسم جبهات الخرائط، ليس في الجغرافيا فقط، وإنما أيضاً في السياسة وما تقتضيه على مستوى التحالفات الإجرائية القائمة منذ زمن طويل.‏
التلميح الإسرائيلي بالاستجابة لأي طلب أردني بالتدخل لا يأتي من فراغ، ولا هو فقط أمنيات أو تسريبات في غير موقعها، بقدر ما يحاكي حقائق الغرف المغلقة وما هو متفق عليه من تحت الطاولة ومنذ سنوات، بالمصير المشترك والارتباط الوجودي بين الدول الوظيفية القائمة على أساس خرائط سايكس بيكو وبين إسرائيل، وأي تعديل دون الأخذ بأبجدية الفرضيات التي اقتضاها سيكون بمثابة لعب في خطوط الانفجار مكانياً وزمانياً.‏
يبقى الصمت الأردني ليترك الحبل على غاربه، وليفتح المنطقة على ما هو أبعد بكثير من خطوط «دفاع» إسرائيلية وجبهات خرائط مؤقتة أو دائمة، ويصل في بعض تجلياته إلى انقلاب جذري في مسلمات التكاذب العربي التي تفضحها شهوة الإفصاح الإسرائيلي عمّا ظل في كواليس وأروقة التحالفات السرية والعلنية.‏

بقلم : علي قاسم